مفهوم العدوان وخطورته

شغلت مشكلة تعريف العدوان بال الشخصيات التاريخية على مدى القرون العديدة. وقد انبثق مفهوم العدوان من ايام روما العريقة، وينشأ مصطلح العدوان من الكلمة اللاتينية "Aggressio" أي الاعتداء. وفي هذا الصدد ينطوي على الاهمية العلمية الكبيرة ما قدمه الدبلوماسي الروسي فالينوفسكي منذ 192 سنة من التعريف البسيط والواضح لمفهوم الاعتداء، اذ كتب "ان الاعتداء يعرف نفسه بنفسه، فهو عبارة عن اجتياح الجيش لحدود الغير. اما البيانات السياسية والتحركات والخطوات المؤدبة المجاملة الرامية الى اخفاء النوايا الحقيقية فتذهب سدى وعبثا في حالة كهذه" .

لقد بذلت محاولات عديدة لتعريف العدوان لاسيما في اطار عصبة الامم، غير ان اكثريتها وصلت الى طريق مسدود لدى ايجاد صيغ مناسبة، وأخذ مؤلفوها يتكلمون من جديد عن استحالة اعطاء التعريف الدقيق لمفهوم العدوان. ثم اقرت جمعية عصبة الامم تعريفا لمفهوم العدوان في 27/10/1924 ورد فيه ان "اللجوء الى الحرب خارقا للمواد 12، 13، 15 من نظام عصبة الامم، يعتبر حربا عدوانية. كما ان كلا من غزو اراضي دولة الغير بالطرق البرية او الجوية او اجتياحها برا او قصفها او محاصرة شواطئها يشكل عدوانا". اما في عام 1928 فقد تم في باريس توقيع المعاهدة الدولية المتعددة الاطراف المعروفة باسم "معاهدة بريان- كيلوغ" والتي نصت على تخلي الدول عن الحرب كأداة للسياسة الوطنية. اما في عام 1945 فقد تم توقيع ميثاق منظمة الامم المتحدة، وجاء فيه ان مهمات هذه الهيئة تتمثل في "تخليص الاجيال القادمة من ويلات الحرب التي كدرت البشرية مرتين في هذا العصر وخلق الظروف المؤاتية لمراعاة العدالة واحترام الالتزامات المترتبة على المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي.

والعدوان لا يمكن نعته بمثابة جريمة دولية بسيطة. بل هو من اخطر الجرائم الدولية. ويعرف نظام المحكمة الدولية في مادته السادسة (أ)، العدوان بجريمة ضد السلام بالذات، اما جوهر العدوان فيتلخص في ضم او اغتصاب ارض الغير ونهب واستعباد الشعوب الاخرى وابادة السكان المدنيين بالجملة وابعادهم وتهجيرهم. ووفقا لاحكام القانون الدولي المعاصر تعتبر ارض الدولة حرمة لا تمس ويجب ان لا تكون عرضة حتى للاحتلال الحربي المؤقت. ولا يطاق، خاصة، من وجهة نظر القانون الدولي، ضم ارض الغير وبسط سلطة دولة اخرى عليها. ان الشعب هو ملك ارضه وصاحب الحق الاعلى في التصرف به. ويمكن القول بان اساس تعريف العدوان أقر فقط من قبل الجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة في 14/12/1974. ويتألف التعريف الجديد للعدوان من ثماني مواد تتضمن صياغة اهم علاقات العدوان بوصفه الاعتداء المسلح من قبل دولة ما على دولة اخرى. واقر هذا التعريف من جانب اللجنة المختصة للامم المتحدة. ومن المهم القول بان العدوان هو الاعتداء المسلح من قبل دولة ما على دولة اخرى او شعب بهدف اغتصاب الارض وضمها والقضاء على استقلالها السياسي، او نهب الممتلكات العامة او الخاصة او استعباد مواطني تلك الدولة او قتلهم او استغلالهم او بغيرها من الاهداف المماثلة التي تتنافى مع ميثاق منظمة الامم المتحدة وترمي الى خرق السلام وأمن الشعوب بغض النظر عما اذا استبق اعلان الحرب شن العدوان، لان الحرب محظورة في القانون الدولي. ورغم ان ميثاق الامم المتحدة لم يتضمن في آخر المطاف تعريفا مفصلا لمفهوم العدوان يمكن القول بانه عمم تجربة النضال التاريخية في سبيل صيانة مبدأ تحريم العدوان، وجاء اقرار الميثاق نفسه بمثابة مرحلة توجت عملية حظر العدوان بصفته جريمة دولية، وبموجب ميثاق الامم المتحدة، وبالتالي وفقا للقانون الدولي المعاصر لا يحق لدولة او دول ان تستعمل القوة المسلحة ضد دولة اخرى الا في حالتين فقط هما:

اولا: من خلال المشاركة في تنفيذ الاجراءات بقرار صادر من مجلس الامن بهدف درء الخطر على السلام او ازالته، وضد الاعمال العدوانية او غيرها من انتهاكات السلام "في اطار منظمة الامم المتحدة".

ثانيا: من خلال تحقيق حق الدفاع الفردي او الجماعي عن النفس في حالة التعرض للاعتداء المسلح. وفي هذه الحالة يمكن للدولة ان تعمل ضد المعتدي على انفراد او بالتحالف مع دول اخرى.

هذا ويعتبر حظر الدعاية للحرب جزءا مكونا للمبدأ المذكور ويمكن اعتباره ايضا بصفة قاعدة منفردة. ولقد جاء في الاعلان الصادر في عام 1970 انه وفقا لمقاصد الامم المتحدة ومبادئها يتوجب على الدول ان تمتنع عن نشر الدعاية للحروب العدوانية. وتعني القاعدة المشار اليها ان الدول يجب عليها ان تحول دون قيام اجهزتها بنشر الدعاية للحرب، فضلا عن وجوب اتخاذ الاجراءات الكفيلة بمنع نشر الدعاية للحرب في اراضي تلك الدول من قبل اشخاص او منظمات.

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست